ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

57

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

ذلك من أقرب الطرق لهم إلى الطعن فيه . وقالوا : كيف تدعونا إلى عبادة رب صورته هذه الصورة الشنيعة ؟ وهم يوردون عليه ما هو أقل من هذا بكثير . كما أوردوا عليه المسيح لما قال : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ؛ فتعلقوا بظاهر ما لم يدل عليه ما أورده ، وهو دخول المسيح فيما عبد من دون اللّه إما بعموم لفظ ( ما ) وإما بعموم المعنى . وأورد أهل الكتاب على قوله : يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ ( سورة مريم : 28 ) أن بين هارون وعيسى ما بينهما وليس ظاهر القرآن أنه هارون بن عمران بوجه ، وكانوا يتعنتون فيما يوردونه على القرآن بهذا ودونه . فكيف يجدون ظاهره إثبات رب شأنه هذا ولا ينكرونه ؟ والجواب أن قوله تعالى : تَجْرِي بِأَعْيُنِنا [ سورة القمر ] ودعوى الجهمي أن ظاهر هذه إثبات أعين كثيرة كذب ظاهر . فإنه إن دل ظاهره على أعين كثيرة وأيد كثيرة ، دل على خلقين كثيرين ، فإن لفظ الأيدي مضاف إلى ضمير الجمع ، فادّع أيها الجهمي أن ظاهره إثبات أيد كثيرة لآلهة متعددة ، وإلا فدعواك أن ظاهره أيد كثيرة لذات واحدة خلاف الظاهر ، وكذلك قوله تعالى : تَجْرِي بِأَعْيُنِنا ( سورة القمر : 14 ) إنما ظاهره بزعمك أعين كثيرة على ذوات متعددة لا على ذات واحدة . ( الثاني ) أن دعواك أن ظاهر القرآن إثبات أيد كثيرة في جنب واحد كذب آخر . فأين في ظاهر القرآن أن الأيدي في الجنب ؟ وكذلك إنما أخذت هذا من القياس على بني آدم فشبهت أولا ، وعطلت ثانيا ، وكذلك جعلك الأعين الكثيرة في الوجه الواحد ليس في ظاهر القرآن ما يدل على هذا ، وإنما أخذته من التشبيه بالآدمي . ولهذا قال بعض أهل العلم : إن كل معطل مشبه ، ولا يستقيم لك التعطيل إلا بعد التشبيه . ( الثالث ) أين في القرآن إثبات ساق واحدة للّه تعالى وجنب واحد ؟ فإنه سبحانه وتعالى قال : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ( القلم : 42 ) وقال : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ( الزمر : 56 ) فعلى تقدير أن يكون الساق والجنب من الصفات فليس في ظاهر القرآن ما يوجب ألا يكون له إلا جنب واحد وساق واحد . ولو دل على ما ذكرت لم يدل على نفي ما زاد على ذلك لا بمنطوقه ولا بمفهومه ، حتى القائلين بمفهوم اللقب لا يدل ذلك